
Zaouia Habria Derquaouia
الطريقة الهبرية الدرقاوية
_edited_edited.png)

الشيخ سيدي محمد الهبري الصغير
الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي الحاج محمد الهبري
قدّس الله سرّه الشريف، العزّاوي الإدريسي، وارث السرّ وأمين العهد، ومؤسس الزاوية الهبرية بالضريوة في صورتها الحالية
وُلد رحمه الله في مطلع العقد الأخير من القرن الثالث عشر الهجري (حوالي 1879م)، ونشأ في حجر الولاية، وتربّى في بيتٍ عماده الذكر، وسقفه القرآن، وأهله الفقراء الصادقون وأرباب العلم واليقين. فكان منذ نعومة أظفاره مشدود القلب إلى حضرة الحق، محبًّا لأهل الطريق، مولعًا بمجالس الذكر، متشربًا بأنوار التربية الصوفية التي بثّها والده الشيخ سيدي الحاج محمد الهبري رضي الله عنه
وقد ظهرت عليه مخايل الاصطفاء مبكرًا، فكان وهو في ريعان شبابه أهلاً لتحمّل أعباء السلوك، بل والقيام بوظائف الإرشاد، حتى أذن له والده بتلقين الفقراء في الخلوة، فكان يُلقّن الأذكار، ويغرس معاني التوحيد، ويربط القلوب بالله، على سنن القوم في التربية والتزكية
ومن دلائل الفتح عليه، وما أظهره الله على يديه، أنّه لقّن الإسم المفرد – وهو من خصوصيات أهل الطريق – للعلامة الجليل سيدي الدكالي، الذي نال شرف أخذ العهد عن الشيخ الوالد. ويُروى أنه لما قدم هذا العلامة إلى الزاوية في غياب الشيخ الأب، تلقّى التلقين على يد الشيخ الابن سيدي محمد الهبري. فلما عاد الشيخ الوالد، وجد الرجل منشغلاً بمطالعة الكتب، ينتظر لقاءه، فأرشده بكلمة جامعة من كلمات أهل التحقيق قائلاً
"لو أنك اخترت السبع الطباق، وجُلت في الأراضين السبع، ما وجدت ما يأتيك مني في كتاب."
ففهم المريد سرّ الإشارة، وخفض رأسه خضوعًا، وعقد العزم على سلوك طريق الذكر والتجريد، ففتح الله عليه فتحًا مبينًا على يد الشيخ سيدي محمد الهبري، حتى بلغ مقامًا معتبرًا في الطريق، وأُذن له بعد ذلك في التوجه إلى تلمسان للتدريس ونشر العلم، فكانت تلك المدينة منطلق إشعاع الطريقة الهبرية، ومنها انتشرت في ربوع الوطن، تؤسس للعلم، وتُحيي القلوب بالذكر
وقد كان لانتشار الطريقة أثر بالغ في نفوس الناس، حتى أقلق سلطات الاستعمار الفرنسي، التي رأت في الزوايا مراكز إشعاع روحي قد تتحول إلى بؤر مقاومة. فعملت على التضييق عليه، وأجبرته على النزول إلى زاوية والده بالضريوة قرب ميناء السعيدية، بدل الاستقرار بزاوية جبل تاغيت، خشية أن تكون منطلقًا للثورة.
فأقبل الشيخ رضي الله عنه على تعمير الزاوية ظاهرًا وباطنًا، فوسّع بنيانها، وهيّأ مرافقها لاستقبال الفقراء والمريدين، حتى صارت مقصدًا للسالكين، ومأوى للذاكرين، ومحرابًا للعلم والتربية
ولما اندلعت الحرب العالمية الأولى، اشتد خوف الاستعمار، فزاد في التضييق، حتى قام بنفي الشيخ إلى منطقة أفلو بالهضاب العليا في وسط الجزائر، رفقة عائلته. وكان سبب نفيه موقفه الثابت، ورفضه القاطع للانخراط في سياسات الاستعمار، أو السعي لإخضاع الأهالي للسلطات الأجنبية، رغم ما عُرض عليه من إغراءات ومناصب
وقد خاطب أحد الضباط الفرنسيين بكلمة صادقة، تعبّر عن حقيقة رسالته، فقال
"إن مهمتي تنحصر في إرشاد الناس إلى ذكر الله وعبادته، والتمسك بالدين، والتربية الروحية والأخلاقية."
فكان هذا الموقف عنوان صدقٍ وثبات، ودليلًا على أن أهل الله لا يبيعون عهدهم، ولا يساومون على رسالتهم. فمكث في منفاه صابرًا محتسبًا، متوجهًا إلى الله، ناشرًا للذكر حيثما حلّ
وبعد انتهاء الحرب، أُذن له بالعودة إلى زاوية الضريوة، فعاد إليها بنفَسٍ متجدد، وهمّة عالية، فأعاد تنظيمها، ووسّع نشاطها، واستأنف دروسه في علوم الشريعة والحقيقة: تفسيرًا، وفقهًا، وتصوفًا. فتهافت عليه الطلبة والمريدون، وأخذوا عنه، فازدهرت الزاوية، وعمرت بكتاب الله تلاوةً وتعليمًا، وبالذكر حضورًا وسلوكًا
وكان رحمه الله جامعًا بين العلم والعمل، بين الشريعة والحقيقة، يربي المريدين على الإخلاص، ويحثهم على لزوم الذكر، وملازمة الجماعة، وتعظيم السنّة، وخدمة الخلق، فكان بحق وارثًا لسِرّ أبيه، وحلقةً في سلسلة أهل الله الواصلين
وُلد سنة 1879م، وانتقل إلى جوار ربه في أواخر ديسمبر سنة 1939م، بعد حياةٍ عامرة بالبذل والتربية. وقد شهد جنازته جمع غفير من الفقراء والعلماء والمحبين، في مشهد مهيب يدل على مكانته في القلوب، وصلّى عليه العلامة سيدي رابح الغربي رحمه الله
%20(7)_edited.png)
%20(8).jpg)